صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

363

تفسير القرآن الكريم

وفي الآفاق شرق وغرب ، وفي الحيوان ذكر وأنثى ، وفي الطعوم حلاوة ومرارة ، وفي اللون سواد وبياض ، وفي الكمّ متّصل ومنفصل ، وفي المقدار قارّ وغير قارّ ، وفي الخطّ مستقيم ومعوّج ، وفي السطح مستو ومنحن ، وفي العدد منطق وأصمّ ، وفي المذهب هداية وضلال ، وفي الاعتقاد حقّ وباطل وفي النفس إقبال وإدبار ، وفي القلب بصيرة وعمى ، وفي الآخرة نعيم وجحيم ، وفي الدنيا دولة ونكبة ، وفي الباطن إلهام ووسوسة ، إلى غير ذلك من المتزاوجات السارية في جميع الذراري ، النازلة من سماء عالم الوحدة إلى أرض عالم الكثرة والهيولى ، لقوله تعالى : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ [ 51 / 49 ] . وقلّ من العلماء من لم يزل قدمه في شرح تفاصيل هذه المراتب المزدوجة المتنزّلة من شرف سماء العظمة والكبرياء إلى المهبط الأدنى وحضيض الأرض السفلى ، ثمّ المرتقية إلى عالم الأسماء والقيامة العظمى التي يحشر فيها الأشياء إلى الربّ الأعلى : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [ 19 / 95 ] . فصل في قوله جل اسمه : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ حبّذا عبد بلغ في عبوديّته وسلوكه طريق الإنابة إلى مقام شاهد بالمشاهدة القلبيّة نور وجه اللّه ، ورآه كما رأى بالمشاهدة البصريّة نور المصباح من وراء زجاجة واقعة في مشكاة ، فما هو بمنزلة زجاجة هذا النور